النقل البحري

“ميرسك” تتحول من باخره الي عملاق شحن بأرباح تصل إلي 17٪

توصف مملكة الدنمارك بأنها “حارسة بحر البلطيق”، وعبر تاريخها كان لدور “الحارس” المشتق من الموقع الجغرافي المميز للبلاد تبعاته السياسية وتكلفته العسكرية عليها.لكن الدنماركيين أفلحوا في تجاوز الدور الذي حاصرتهم به الجغرافيا، فطوروا وحسنوامن قدرتهم في حراسة بوابة بحر البلطيق ليجعلوها مدخلا لدور أكبر يتجاوز بحر البلطيق ونطاقهم الإقليمي، وليتحولوا إلى واحدة من الدول البحرية الرائدة في العالم.

ففي دولة محاطة بالبحر ومؤلفة من أكثر من 400 جزيرة وسواحل يبلغ إجمالي طولها أكثر من 7000 كيلو متر، كان لا بد من أن يكون للشحن البحري دورا مهما لربط مفاصل تلك الدولة وضمان قدرتها على البقاء ككيان موحد.واليوم تحتل مملكة الدنمارك التي لا يزيد عدد سكانها على ستة ملايين نسمة المرتبة الخامسة في العالم في مجال الشحن البحري، وبات الأسطول التجاري الدنماركي يتألف من 779 سفينة، وخلال الـ12 عاما الماضية زاد عدد سفن هذا الأسطول بنحو 200 سفينة، لينقل بمفرده ما يقارب 10 في المائة من التجارة العالمية.

جزء من هذا التميز في مجال النقل التجاري البحري يجد جذورا له في تاريخ الدنمارك، فالفايكنج لم يكونوا مقاتلين شرسين فقط، بل كانوا ناشطين أيضا في مجال التجارة البحرية، وفي عالم يتم نقل ما يقارب 90 في المائة من بضائعه عن طريق البحار والمحيطات، حيث تسود التوقعات أن يشهد النقل البحري مزيدا من الانتعاش المستقبلي لاتساع نطاق التجارة الدولية، ويبدو من المؤكد أن النقل البحري والدول التي تهيمن عليه يحق لها التفاؤل بشكل كبير، حيث سيكون له كلمة مؤثرة في مسار التجارة الدولية.

مع هذا وعلى الرغم من أن كل شيء يسير في اتجاه النمو المستمر في صناعة الشحن البحري، فإن الدنمارك تدرك تماما أن هناك تحولات كبيرة تحدث في الصناعة، سواء مع تنامي قدرة عديد من الاقتصادات الناشئة على بناء السفن والناقلات التجارية العملاقة، أو أن يكون لديهم الخبرات والأيدي العاملة المؤهلة تأهيلا جيدا في هذا المجال.و

تدرك الدنمارك أنها تصارع للحفاظ على مكانتها الدولية مع دول لا يستهان بها وبقدرتها في الشحن البحري، فلا يتفوق حاليا عليها سوى اليابان واليونان والصين وألمانيا.وتسيطر شركات الشحن الدنماركية على ما يقرب من 2100 سفينة تجارية، وعلى الرغم من أن الدنمارك تمتلك عديدا من شركات الشحن الكبيرة مثل تورم ونوردن وكليبر وغيرها، وجميعهم لاعبون أقوياء ومتفوقون في مجالات مثل نقل المنتجات والبضائع غير المغلفة وسفن الخدمات للصناعة البحرية، فإن الدنمارك تفتخر بشركة ميرسك إحدى أكبر شركات شحن الحاويات في العالم بحصة سوقية تبلغ 17 في المائة، درة تاج صناعة النقل البحري في الدنمارك.

فكيف ولماذا أصبحت شركة “ميرسك” بهذه الدرجة من الهيمنة على صناعة الشحن في الدنمارك والعالم، وكيف وصلت إلى تلك المكانة؟ وهل تفلح في الاحتفاظ بمكانتها تلك في ضوء التطورات الجارية في صناعة الشحن البحري والمنافسة الدولية المحتدمة؟الدكتور بول ادسون، أستاذ التاريخ الاقتصادي في جامعة لندن يرى أن شركة ميرسك نجحت دائما في المزج بين تاريخها الطويل والتحديث المتواصل لقدرتها.

يعلق قائلا “في 1904 أسست شركة الباخرة سفينبورج بالتعاون بين الابن أيه بيتر ميرسك مولر والأب بيتر ميرسك مولر كان ذلك في خضم المرحلة الثانية من الثورة الصناعية، حيث استبدل الشراع بالمحرك البخاري، كما استبدل الهيكل الخشبي للسفينة بالهيكل الفولاذي، كما ضمن التلجراف الاتصال السريع بين العميل وشركة الشحن، وبعد فترة وجيزة من هذا التطور مكن المحرك الديزل صناعة السفن من تصميم سفن أكبر وجلب المواد الخام إلى المصنع والسلع النهائية إلى السوق، ولكن بطريقة أكثر انتظاما، لكن البداية المتواضعة للشركة لم تكن تنبئ بالنجاح الذي حققته عبر تاريخها، إذ تمكنت من جمع رأسمال كاف لشراء باخرة بخارية مستعملة، أطلقوا عليها اسم سفينبورج نسبة إلى المدينة التي تقع فيها الشركة، التي ينتمي إليها الأب والابن”.ويضيف “لكن الابن كان أكثر مهارة في فهم المشهد الاقتصادي حينها، إذ كان حريصا على التوسع بشكل سريع مستغلا الظروف المواتية لأعمال الشحن خلال الحرب العالمية الأولى فأسس شركة أخرى 1912 سريعا ما توسعت، وظلت الشركتان تداران بالتوازي حتى 2003 عندما اندمجا تحت اسم ايه بي مولر ميرسك”.

ويخلص الدكتور بول أدسون إلى أن القراءة الناجحة للمشهد العالمي كانت دائما السبب وراء مواصلة شركة ميرسك نجاحها.في الواقع، فإن تاريخ الشركة ربما يعزز تلك الفكرة ففي 1918 أنشأ مولر الابن حوض بناء سفن، ما مكنه من الجمع بين تجربة الشحن وبناء السفن، وعبر تاريخ الشركة كان حوض السفن موردا رئيسا للأرباح خاصة بعد 1980 عندما تم تسليم أول سفينة حاويات، لكن تقرر إيقاف العمل في حوض السفن بسبب السوق التنافسية وفي 2012 تم تسليم آخر سفينة.

يتعلق الشحن البحري بتقديم خدمة منتظمة بين مجموعة من الموانئ، وفي 1919 افتتح أيه. مولر أول مكتب للشركة في نيويورك، وبحلول 1928 بدأت أول خدمة بحرية منتظمة لشركة ميرسك لين من ميناء بالتيمور في الولايات المتحدة عبر قناة بنما والساحل الغربي الأمريكي إلى الموانئ الآسيوية، لتحمل مجموعة من قطع الغيار السيارات لشركة فورد موتورز، واستمر ذلك الخط الملاحي في العمل حتى 1947، حيث كانت تلك هي خدمة الخطوط الملاحية المنتظمة الوحيدة، التي قدمتها الشركة.
في 9 أبريل 1940 احتلت ألمانيا النازية الدنمارك، لكن في الليلة السابقة للاحتلال أرسل أيه مولر رسائل إلى جميع السفن خارج الأراضي الدنماركية للتوجه إلى الموانئ المحايدة، وعدم تلقي أي تعليمات أخرى تصدر من الدنمارك، وعلى الرغم من أن الدول المتحاربة استولت على 36 من أصل 46 سفينة تمتلكها الشركة، وخسرت الشركة كثيرا من أسطولها، إلا أن الشركة كانت تمتلك في ذلك الوقت مصنع أسلحة واصل الإنتاج إلى أن خرب على يد المقاومة الدنماركية، وقد غرمت الشركة عشرة ملايين كرونة دنماركية بعد الحرب بسبب تعاملها مع ألمانيا أثناء الاحتلال.
لكن الباحث الاقتصادي إل. دي. ويلسون وعلى الرغم من عدم إنكاره لأهمية البعد التاريخي في أن تتبوأ شركة ميرسك مكانتها الراهنة في مجال الشحن البحري، إلا أنه يعد أن شركة ميرسك الحالية هي وليد مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية أكثر منها تلك الشركة التي أسست في بداية القرن الماضي.

ويقول لم تختلف الدنمارك عن كثير من دول العالم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فالعلاقة بين الحكومة والشركات الوطنية الكبيرة كانت قائمة على التعاون ودعم حكومات الشركات الوطنية الخاصة للنهوض بالاقتصاد الوطني، ففي 1959 افتتحت ميرسك حوضا كبيرا لبناء السفن وفي 1962 حصلت على إذن بالبحث عن النفط في بحر الشمال، وفي 1969 أطلقت قسم ميرسك الجوي، في 1973 استحوذت شركة ميرسك لين على أول سفينة حاويات لها، وبعد عقدين تقريبا افتتحت مصنعها الخاص للحاويات في الدنمارك، ليكون أكبر خط حاويات في العالم. ويضيف “في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تصبح ميرسك شركة شحن وحسب وإنما باتت رمزا لصناعة النقل البحري في الدنمارك، إذ تمتلك حاليا مكاتب في 112 دولة حول العالم وتوظف 88 ألف شخص، ويضم أسطول ميرسك لين 610 سفن حاويات يمكنها أن تحمل تقريبا 3.1 مليون حاوية شحن”.

يكشف هذا التطور التاريخي لشركة ميرسك عن تنوع مجموعة الأنشطة والأعمال التي تقوم بها على الرغم من مركزية النقل البحري في مجمل نشاطها الاقتصادي.من جهته، يؤكد لـ”الاقتصادية” البروفيسور أندي مارتن أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة كامبريدج “سيكون من الخطأ التفكير أو التعامل مع شركة بهذا الحجم بصفتها مجرد خط بحري لشحن البضائع، حيث بلغت إيرادات الربع الثاني هذا العام 21.7 مليار دولار، لتحقق ربحا قدر بـ10.3 مليار دولار، وتتوقع الشركة أن تحقق إجمالي أرباح قبل الخصومات الضريبية هذا العام 24 مليار دولار”.

ويقول “هذا لم يتحقق من نشاطها في مجال الشحن البحري فقط، فهي أيضا شركة طيران ونقل بالشاحنات البرية ومشغل ميناء وأحيانا لها أنشطة في مجال النفط، بل وراهنت على التجارة الإلكترونية من خلال شراء شركتين للتجارة الإلكترونية وهما شركة بي 2 سي أوروبا وشركة إدارة سلسلة التوريد المرئية بقيمة 924 مليون دولار، بل إنها لا تسوق نفسها الآن كخط شحن فقد أصدرت بيانا صحافيا العام الماضي بأنها شريك لوجستي وسلسلة توريد شاملة، وذلك النشاط يحقق لها أرباحا أكثر، وأعلنت رسميا أنها تتوقع أعمالا لوجستية بإيرادات سنوية تبلغ عشرة مليارات دولار، وبذلك تضع المسار الذي ستسير عليه خطوط الشحن ووكلاء الشحن الدوليين ومن خلال دمج النطاق الكامل للخدمات اللوجستية في حزمة واحدة لتعزيز الكفاءة وخفض الأسعار”.
وبالفعل، فإن شحن الحاويات، الذي شكل 73 في المائة من إيرادات العام الماضي سيستمر في أن يكون القلب النابض للشركة، لكن الخدمات البرية مثل الخدمات الجمركية والتخزين ستكون محرك نموها، وسيدفعها ذلك إلى مزيد من عمليات الاستحواذ للشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم في الشحن الجوي والتخزين والتوزيع في أمريكا اللاتينية وأوروبا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى